القرطبي
290
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
التاسعة - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخمر لا يجوز تخليلها لاحد ، ولو جاز تخليلها ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع الرجل أن يفتح المزادة ( 1 ) حتى يذهب ما فيها ، لان الخل مال وقد نهى عن إضاعة المال ، ولا يقول أحد فيمن أراق خمرا على مسلم أنه أتلف له مالا . وقد أراق عثمان بن أبي العاص خمرا ليتيم ، واستؤذن صلى الله عليه وسلم في تخليلها فقال : [ لا ] ونهى عن ذلك . ذهب إلى هذا طائفة من العلماء من أهل الحديث والرأي ، وإليه مال سحنون بن سعيد . وقال آخرون : لا بأس بتخليل الخمر ولا بأس بأكل ما تخلل منها بمعالجة آدمي ( 2 ) أو غيرها وهو قول الثوري والأوزاعي والليث بن سعد والكوفيين . وقال أبو حنيفة : إن طرح فيها المسك والملح فصارت مربى وتحولت عن حال الخمر جاز . وخالفه محمد بن الحسن في المربى وقال : لا تعالج الخمر بغير تحويلها إلى الخل وحده . قال أبو عمر : احتج العراقيون في تخليل الخمر بأبي الدرداء ، وهو يروي عن أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء من وجه ليس بالقوي أنه كان يأكل المربى منه ، ويقول : دبغته الشمس والملح . وخالفه عمر بن الخطاب وعثمان بن أبي العاص في تخليل الخمر ، وليس في رأي أحد حجة مع السنة . وبالله التوفيق . وقد يحتمل أن يكون المنع من تخليلها كان في بدء الاسلام عند نزول تحريمها ، لئلا يستدام حبسها لقرب العهد بشربها ، إرادة لقطع العادة في ذلك . وإذا كان كذلك لم يكن في النهي عن تخليلها حينئذ ، والامر بإراقتها ما يمنع من أكلها إذا خللت . وروى أشهب عن مالك قال : إذا خلل النصراني خمرا فلا بأس بأكله ، وكذلك إن خللها مسلم واستغفر الله ، وهذه الرواية ذكرها ابن عبد الحكم في كتابه . والصحيح ما قاله مالك في رواية ابن القاسم وابن وهب أنه لا يحل لمسلم أن يعالج الخمر حتى يجعلها خلا ولا يبيعها ، ولكن ليهريقها . العاشرة - لم يختلف قول مالك وأصحابه أن الخمر إذا تخللت بذاتها أن أكل ذلك الخل حلال . وهو قول عمر بن الخطاب وقبيصة وابن شهاب وربيعة وأحد قولي الشافعي ، وهو تحصيل مذهبه عند أكثر أصحابه .
--> ( 1 ) في ب : المزادتين ، ما فيهما . ( 2 ) أي بممارسة آدمي وعمله .